الرئيسية / وشم بالكلمة / يد القصيدة

يد القصيدة

ا

يد القصيدة

بقلم: يحيى عمارة

ليس هناك شعر دون ذات، وليس هناك ذات دون شعر، فالذات والشعر، في بحر الوجدان يسبحان، ومن جغرافية الأحاسيس يولدان، وبين أحضان الكائنات والأشياء يتربيان. فقيمة الذات في نسبة قيمة الشعر، وقيمة الشعر في نسبة قيمة الذات.بهذه التعاريف الموجزة يتسلق الشعر أشجار البوح ليرسم حدائق ذاته المكونة من الورد الأليم الساعي إلى التحرر من قيد الإسمنت، ومن هبوب الريح المتجولة بأجنحة التراب، ومن فراشات الوجود التي ترقص ضياء على ضفة شمعة شاعر يبتغي مشاكسة الليل.

للقصيدة يدها،تلك اليد لا تشبه الأيادي التي تسرق القمر، تلك اليد نقية كالكرز، لا تحب القبح الملوث، ولا الدم المختلط، ولا الرأي المتسلط، ولا حراس أشجار البوح، إنها اليد الكينونة النبيلة، المناصرة للمحبة والسلام، والداعية إلى التحرر والاختلاف ومعانقة الجمال بوصفه ضرورة للحياة وللإبداع وللفن.

يد القصيدة مكونة من خمسة أغصان، كل غصن شجرة، وكل شجرة حديقة. تتكون من غصن اللغة ، غصن الخيال،وغصن الحلم، وغصن الوجود،ثم غصن الإيقاع. لا جمال في قصيدة يدها مبتورة الأغصان، أو متشابهة ،أو مكررة.

يأتي ديوان"لا تقيد يد الورد"، ليؤكد مقولة إن إنسانا يحب الورد،هو إنسان يحب الحدائق، وإنسان يحب الحدائق، يحب النظام والجمال، وإنسان يحب النظام الجمال يكون  قادرا على إبداع النهضة. فالنهوض في الشعر معناه بناء الإنسان بناء صحيحا يقوم على الأخلاق والتوازن والتواصل. كل هذه  لها وزنها في حياة الإنسان الذي يعد العمود الفقري للحضارة الإنسانية السليمة التي تتوخى التطور والتقدم والتغيير.

بيد القصيدة تشتد أواصر الأمم، لأن القصيدة رفيقة اللغة العالية، والأمم التي تستوعب لغة القصائد، وتهتم بها قراءة وإنصاتا ومتابعة واهتماما، هي أمم تستطيع الحفاظ على هويتها، فكل استهتار بلغة الشعر، هو مدخل لتلاشي الهوية وتراجعها.لكل هذا، يكتب الشعراء قصائدهم، ليؤسسوا عوالم اللغة، وليعلنوا انتماءهم الأدبي والاجتماعي والحضاري والإنساني لهوية الأمم المولودين فيها ، وللتعايش ضمن هويات الآخرين والانخراط فيها، وليكسروا قيود الأفلاطونيين الواهمين الذين أصبحوا متشبثين بأفكار الهدم من حيث لا يشعرون.

"لا تقيد يد الورد"بيان شعري مكتوب بمفهوم جديد للشعر، مفهوم ينطلق من عدم التشطيب على ما يرسمه الخيال،بصفته غصنا متينا من أغصان منتسبة لسلالة شجرة حديقة البحث عن ثمار شعرية خاصة، لا تدعي الكمال، بقدر ما تسعى إلى استيعاب صفة النضج المعرفي والجمالي في الكتابة الشعرية المعاصرة، المتهمة في هذا الوقت ، بالزيغان والتيه واللاعمق. من هنا، جاءت ثمرة الجمع بين قصيدة التفعيلة الحرة وقصيدة النثر، قصد التعبير عن ثقافة الشاعر المنفتحة على التجارب الشعرية الإنسانية، التي تمكنت من فرض الشعر نثريا، ومن فرض النثر شعريا، من أمثال أبي حيان التوحيدي، ومولانا جلال الدين الرومي، وشارل بودلير، وسان جون بيرس، وأدونيس، وأنسي الحاج، ومحمد الماغوط، وجبران خليل جبران، ورابندرانت طاغور، وفريدريك نيتشه، وأوكتافيو باث، وقاسم حداد،ومحمد بنيس.

كل شاعر حالم، والحلم أفق الشعراء، يأتي حلم الشاعر من قلبه، وتكون اليد واسطة إلزامية بين الحلم والرسالة.فمن ركائز الحلم، التمرد على البصري ، الواقعي، والتشبث بالرؤيوي والعنادي. ولعل صراخ الحالمين في النوم دليل على فضح المناورات الخسيسة، ورفض البشاعة والإشاعة والتقيد والترهيب والترغيب، مع الدفاع عن الحق في الشعر والشعور والحياة. فديوان" لا تقيد يد الورد" كتابة بلغة الحالمين، الذين عاشوا اغترابهم وضياعهم وألمهم، لكنهم معاندون بحلمهم الشبيه ببيت الشاعر العربي أبي القاسم الشابي القائل: سأعيش رغم الداء والأعداء  كالنسر فوق القمة الشماء…..

عن الدكتور يحيى عمارة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *